هل يمكن لمسّاح الكميات أن يصبح مدير مشروع؟ - الأكاديمية البريطانية للتدريب و التطوير

التصنيفات

صفحة الفيسبوك

صفحة التويتر

هل يمكن لمسّاح الكميات أن يصبح مدير مشروع؟

في عالم المشاريع الإنشائية والهندسية المعاصرة، لم يعد النجاح المهني مرتبطًا بمسمّى وظيفي ثابت أو مسار تقليدي يبدأ وينتهي عند حدود تخصص واحد. طبيعة المشاريع اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، ما فرض الحاجة إلى كوادر قادرة على الفهم الشامل، واتخاذ القرار، وربط الجوانب الفنية بالاعتبارات الإدارية والمالية. في هذا السياق، يبرز مسّاح الكميات كأحد أكثر الأدوار التقنية التصاقًا بجوهر المشروع، حيث تتقاطع بين يديه الأرقام، العقود، والقرارات المصيرية المتعلقة بالتكلفة والقيمة.

ومع اتساع دور إدارة المشاريع وتحوّلها من وظيفة تنفيذية إلى قيادة استراتيجية، يطرح كثير من المهنيين سؤالًا مشروعًا: هل يمكن لمسّاح الكميات أن ينتقل من دور المتخصص المالي إلى قائد المشروع بأكمله؟ وهل ما يمتلكه من معرفة بالتكاليف، والتحكم المالي، وإدارة العقود يشكّل قاعدة كافية لهذا التحول، أم أن الفجوة بين الدورين أعمق مما تبدو عليه؟

تؤكد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير في طرحها لمنهجيات إدارة المشاريع الحديثة إلى أن الكفاءة في هذا المجال لا تُقاس بالخلفية الأكاديمية وحدها، بل بقدرة الفرد على دمج المعرفة التقنية مع المهارات القيادية، والتفكير الاستراتيجي، وإدارة أصحاب المصلحة. ومن هذا المنطلق، فإن مسّاح الكميات لا يُنظر إليه كمختص بالأرقام فقط، بل كعنصر محوري يمتلك فهمًا عميقًا لتوازن المشروع بين التكلفة، الزمن، والنطاق، وهي الأسس التي يقوم عليها دور مدير المشروع.

طبيعة دور مسّاح الكميات داخل المشروع

يُعد مسّاح الكميات أحد الأعمدة الأساسية في المشاريع الإنشائية، حيث يرتبط عمله بشكل مباشر بإدارة التكاليف، إعداد جداول الكميات، تحليل العطاءات، مراجعة المطالبات المالية، وضبط المصروفات مقارنة بالميزانية المعتمدة. هذا الدور لا يقتصر على الحسابات فقط، بل يشمل فهمًا عميقًا لنطاق العمل، والعقود، وآليات التغيير.

هذا الموقع المحوري يمنح مسّاح الكميات رؤية دقيقة للتوازن بين التكلفة، الجودة، والزمن، وهي العناصر الثلاثة التي يقوم عليها أي مشروع ناجح. كما أن قربه المستمر من القرارات المالية يجعله طرفًا أساسيًا في النقاشات الاستراتيجية المتعلقة باستمرارية المشروع وربحيته.

أوجه التقاطع بين مسّاح الكميات ومدير المشروع

رغم اختلاف المسمّيات الوظيفية، إلا أن هناك تقاطعًا واسعًا بين الدورين. مدير المشروع مسؤول عن التخطيط العام، التنسيق بين الأطراف المختلفة، إدارة الوقت والتكلفة، وضمان تسليم المشروع ضمن الأهداف المتفق عليها. مسّاح الكميات، من جهته، يتعامل يوميًا مع جزء كبير من هذه المسؤوليات، خصوصًا في ما يتعلق بالتكلفة، العقود، وإدارة أوامر التغيير.

في كثير من المشاريع، يكون مسّاح الكميات شريكًا غير معلن في اتخاذ القرار، حيث لا يمكن لأي تغيير في نطاق العمل أو الجدول الزمني أن يمر دون تقييمه ماليًا. هذا التقاطع يجعل الانتقال إلى دور مدير المشروع تطورًا مهنيًا منطقيًا، وليس قفزة غير محسوبة.

الفجوة المهارية بين الدورين

على الرغم من قوة الخلفية الفنية لمسّاح الكميات، إلا أن دور مدير المشروع يتطلب مهارات أوسع وأكثر شمولًا. تشمل هذه المهارات القيادة، إدارة الفرق متعددة التخصصات، التواصل الفعال مع أصحاب المصلحة، وإدارة المخاطر على المستويات الاستراتيجية.

مدير المشروع لا ينظر فقط إلى الأرقام، بل إلى الصورة الكاملة: كيف يؤثر القرار على الجدول الزمني؟ على جودة التنفيذ؟ على العلاقة مع العميل؟ هذه الرؤية الكلية قد لا تكون جزءًا أساسيًا من مهام مسّاح الكميات اليومية، لكنها ليست بعيدة المنال، ويمكن اكتسابها بالتدريب والممارسة العملية.

أهمية الخبرة الميدانية في هذا الانتقال

تلعب الخبرة الميدانية دورًا حاسمًا في جاهزية مسّاح الكميات لتولي دور مدير المشروع. التواجد في الموقع، التعامل مع فرق التنفيذ، فهم التحديات الواقعية، وملاحظة الفجوة بين المخططات والواقع، كلها عناصر تصقل التفكير الإداري وتحوّل المعرفة النظرية إلى مهارة عملية.

كلما زادت خبرة مسّاح الكميات في بيئات تنفيذية متنوعة، زادت قدرته على اتخاذ قرارات متوازنة تراعي القيود الفعلية للمشروع، وليس فقط المعايير النظرية.

دور التدريب والشهادات المهنية

الانتقال إلى إدارة المشاريع غالبًا ما يتطلب استثمارًا واعيًا في التعليم والتدريب. برامج إدارة المشاريع، والدورات المهنية المعتمدة، تساعد مسّاح الكميات على فهم المنهجيات المختلفة مثل الإدارة التقليدية، والإدارة الرشيقة، وإدارة أصحاب المصلحة.

في هذا السياق، تقدم الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير برامج تدريبية تركز على الجانب العملي والقيادي لإدارة المشاريع، مع ربط المفاهيم النظرية بالواقع التنفيذي. هذه البرامج تسهم في سد الفجوة بين الدورين، وتمنح مسّاح الكميات أدوات عملية تساعده على إدارة المشروع بثقة واحترافية.

التحديات المحتملة عند تولي دور مدير المشروع

قد يواجه مسّاح الكميات عددًا من التحديات في بداية انتقاله إلى دور مدير المشروع. من أبرزها التحول من التركيز التفصيلي على الأرقام إلى إدارة الصورة الشاملة للمشروع، إضافة إلى التعامل مع النزاعات، وضغوط أصحاب المصلحة، واتخاذ قرارات في ظروف عدم اليقين.

إلا أن هذه التحديات لا تُعد عائقًا حقيقيًا، بل مرحلة طبيعية في أي تطور مهني. مع الوقت، والتجربة، والدعم المؤسسي، تتحول هذه التحديات إلى مصادر قوة وخبرة.

القيمة المضافة لمسّاح الكميات كمدير مشروع

عندما يتولى مسّاح الكميات دور مدير المشروع، فإنه يضيف قيمة استراتيجية واضحة. قدرته العالية على ضبط التكاليف، إدارة العقود بفعالية، والتنبؤ بالمخاطر المالية في مراحل مبكرة، تمنح المشروع ميزة تنافسية حقيقية.

كما أن خلفيته التحليلية تجعله أكثر ميلًا لاتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة، وليس على الحدس فقط، ما يقلل من المفاجآت غير المرغوبة ويعزز فرص نجاح المشروع.

المسار المهني والتحول التدريجي

التحول من مسّاح كميات إلى مدير مشروع نادرًا ما يكون مفاجئًا. غالبًا ما يحدث بشكل تدريجي عبر تولي مسؤوليات إضافية، والمشاركة في التخطيط، وإدارة أجزاء محددة من المشروع. هذا النهج التدريجي يسمح ببناء الثقة، وتطوير المهارات، دون تعريض المشروع لمخاطر غير محسوبة.

كثير من مديري المشاريع الناجحين اليوم بدأوا مسيرتهم المهنية في أدوار فنية متخصصة، وكان مسّاح الكميات أحد أبرز هذه المسارات التي أثبتت قدرتها على إنتاج قيادات مشروع قوية وواعية.